الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
120
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
« الصحيح » « إذا أقيمت الصلاة أدبر الشيطان » الحديث . وورد « أنه ما ريء الشيطان أخسأ وأحقر منه في يوم عرفة لما يرى من الرحمة » . وأعقب الأمر باتخاذ الشيطان عدوّا بتحذير من قبول دعوته وحثّ على وجوب اليقظة لتغريره وتجنب توليه بأنه يسعى في ضرّ أوليائه وحزبه فيدعوهم إلى ما يوقعهم في السعير . وهذا يؤكد الأمر باتخاذه عدوّا لأن أشدّ الناس تضررا به هم حزبه وأولياؤه . وجملة إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ تعليل لجملة فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا . وجيء بها في صيغة حصر لانحصار دعوته في الغاية المذكورة عقبها بلام العلة كيلا يتوهم أن دعوته تخلو عن تلك الغاية ولو في وقت ما . وبهذا العموم الذي يقتضيه الحصر صارت الجملة أيضا في معنى التذييل لما قبلها كله . ومقتضى وقوع فعل يَدْعُوا في حيّز القصر أن مفعوله وهو قوله : حِزْبَهُ هو المقصود من القصر ، أي أنه يدعو حزبه ولا يدعو غير حزبه ، والشيطان يدعو الناس كلّهم سواء في ذلك حزبه ومن لم يركن إلى دعوته إلّا أن أثر دعوته لا يظهر إلّا في الذين يركنون له فيصيرون حزبه قال تعالى له : إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ [ الحجر : 42 ] . وحكى اللّه عن الشيطان بقوله : لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ [ الحجر : 39 ، 40 ] فتعين أن في الكلام إيجاز حذف . والتقدير : إنما يدعو حزبه دعوة بالغة مقصده . والقرينة هي ما تقدم من التحذير ولو كان لا يدعو إلّا حزبه لما كان لتحذير غيرهم فائدة . واللام في قوله : لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ يجوز أن تكون لام العلة فإن الشيطان قد يكون ساعيا لغاية إيقاع الآدميين في العذاب نكاية بهم ، وهي علة للدعوة مخفية في خاطره الشيطاني وإن كان لا يجهر بها لأن إخفاءها من جملة كيده وتزيينه ، ويجوز أن تكون اللام لام العاقبة والصيرورة مثل فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً [ القصص : 8 ] قال ابن عطية : لأنه لم يدعهم إلى السعير إنما اتفق أن صار أمرهم عن دعائه إلى ذلك . و السَّعِيرِ : النار الشديدة ، وغلب في لسان الشرع على جنهم . [ 7 ] [ سورة فاطر ( 35 ) : آية 7 ] الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ ( 7 )